Saturday, 19 February 2011

المعارضة الحقيقية والمعارضة المتآمرة

لا زالت نغمة الموالاة والمعارضة طاغية على مجمل ملامح الخطاب السياسي في لبنان منذ تكون لقاء البريستول حتى اليوم... ومذذاك لا زالت رايتا الموالاة والمعارضة في تبدل مستمر بين المواقع في مشهدية كوميدية منافقة يكاد يكون أقرب ملامحها إلى الواقع التحالف الرباعي في 2005 الذي ناهز تجسيد واقع الحال في مسرحية انتخابية: "سلطان القوى الطائفية" على لبنان وتحكمها بالقرار... تلك القوى التي إذا اتفقت سرقت الشعب، وإن اختلفت دمرت الوطن...

والمعارضة اللبنانية، أيًا كان حامل لوائها، سواء قوى الثامن من آذار أو الرابع عشر من آذار أو حتى ما بينهما (لأنه يعطي الاعتبار والأحقية والمشروعية لتناقضهما)، هي معارضة وهمية لا تطال البنيان الأساسي للهمَ الشعبي اللبناني بشيء لا بخطابها السياسي ولا بممارستها. وبالتالي، فإن حتى التقاطع مع هذه القوى جميعها هو خيانة للشعب، ونوع من التذاكي الجبان الذي يصدر أولويات قومية أو عروبية أو مقاومتية لا تقرب شجون الناس مطلقًا.

لا معارضة تقوم على حاجتها للموالاة، وفي لبنان فإن القوى الطائفية المتصارعة يحتاج أحدها للآخر حتى تستمر في طغيانها وهيمنتها على مقدرات البلد وقراره... وهذا هو أول مؤشر على الطابع الوهمي والتآمري للعبة المعارضة والموالاة اللبنانية...

ثم إن الهموم الأساسية لدى الشعب اللبناني هي هموم مشتركة وتتمحور حول الشجون المعيشية والحياتية من مأكل ومشرب واستشفاء وتعليم وفرص عمل وغلاء معيشي، وكل هذه الهموم إنما تنبثق من الواقع الاستغلالي للطبقة السياسية الحاكمة. وبالتالي، فإن مطلق معارضة لا تلحظ هذه الهموم ولا تصدرها أولوياتها هي ليست بمعارضة حقيقية ولا بأي شكل من الأشكال.
إذن، فإن أي معارضة تكون حاجة لنقيضها حتى تستمر وتقوى هي معارضة وهمية. فالأطراف الطائفية تقوى ببعضها، وهي ليست على تناقض حقيقي مهما بلغت حدة الخطاب السياسي ومهما بدت المسائل الخلافية مصيرية. وما النقيض الحقيقي لهذه القوى إلا الشعب الذي كلما تحرر وارتقى، كلما ضعفت هذه القوى وضمر تأثيرها...
قد تغر الشعب بعض المظاهر الخدَاعة، من مثل رفع بعض قوى النزاع التآمري في لبنان مطالب جذرية تمس عمق المصلحة الشعبية والوطنية كطروحات ضد الغلاء المعيشي أو مع إلغاء الطائفية السياسية. غير أنه يجب أن لا يخفى على أحد أن أساس هذه الطروحات إما نوع من النكاية، أو انتخابي، أو كلام حق يراد به باطل مثل طرح إلغاء الطاثفية السياسية لسيطرة أكثرية عددية طائفية على مقاليد القرار والحكم.

أسوأ ما يمكن أن نقدمه لتيار المستقبل مثلاً هو إضعاف حزب الله بشكل يفقد تيار المستقبل قدرة التجييش ضد خطر حزب الله ولو ادعى هو عكس ذلك... فهذا التيار الذي لعب دورًا أساسيًا في إفساد السياسة في لبنان الغارقة أصلاً في القذارة منذ سقوط الحركة الوطنية مع بدء الاحتلال السوري للبنان العام 1976، لا يجد بدًا من وجود عدو سياسي يجيش جمهوره الطائفي ضد خطره ويبرر من خلاله  استمرار الفساد بحجة وجود أولويات مصيرية. ولن يردعه رادع عن الاستعانة بالسلفية وبالخارج العربي الذي أربكته موجة التغيير مؤخرًا. وفي الواقع، فإن الانتصار الحقيقي ليس بمعرفة حقيقة من اغتال الحريري، بل بتغيير النظام حتى لا ينتج أزمات مشابهة.
 والعكس صحيح تمامًا. فإذا ضعف تيار الحريري مثلاً، ضد أي عملاء ومتآمرين سيجيش حزب الله جماهيره؟ ذلك الحزب الذي اعتدى على التراث والثقافة اللبنانية، وكتب باسمه طائفة بأكملها كانت حتى وقت قريب أكثر الطوائف اللبنانية ليبرالية وانفتاحًا إلى أن انحرفت البروتستانتية الإسلامية عن مسارها بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران لتصبح بعض مناطق لبنان أشبه بقم.
 غير أن ما يقوي موقع حزب الله في هذا الإطار هو الطابع الإقليمي لصراعه مما يحتم شكلاً آخر من التناقض الذي يغذي التجييش وفق مبدأ: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!". ثم إن حزب الله يخضع أيضًا للسمة الأساسية التي تميز الأحزاب الدينية التي تنمو على ضعف الناس وفقرهم وشعورهم بالظلم، ولا عجب في أنه لا يأبه البتة للاستقرار السياسي والأمني في لبنان، الذي قد يجر تحسنًا اقتصاديًا لا يناسب الحزب أبدًا.

إذن، لا معارضة حقيقية إلا تلك التي تحمل لواء الهم المعيشي وضرب الكيان الطائفي الجاثم فوق مقدرات الشعب. تلك التي تستوعب وتنطلق من واقع كون أن لا حل في لبنان إلا بدولة مدنية ديمقراطية لا قرار فيها لأمراء الطوائف، تلك التي تسعى لتحرير الشعب من قبضة الرجعية الظلامية.

طالعني أحد الظرفاء بمقولة "إن لعبة الموالاة والمعارضة في لبنان هي ضرب من التنوع الثقافي!"
إن التنوع الثقافي حاجة وضرورة، وهو قيمة إنسانية كبرى، لكن عندما تسخر حيثياته لخدمة الاستغلال ولصالح الطبقة المسيطرة بهدف منع الشعوب من رؤية حقوقها المشروعة وحاجاتها وأولوياتها، فإنه يصبح ثانويًا تتقدم عليه مصالح الشعوب...  

ماهر أبو شقرا

Wednesday, 16 February 2011

الدول العربية تسبق لبنان

وأخيرًا، سقط مبارك، وتهاوى النظام المصري الذي ما برح جاثمًا فوق صدور المصريين لعقود... ومن قبله سقط بن علي ونظامه البوليسي في تونس، والمسلسل مستمر...
وها هي الدول العربية تقفز خانات إلى الأمام لتزيح الأنظمة القمعية التي أصبحت تعيق تطور شعوب هذه الدول اقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا كما في جميع فصول ومجالات الحياة المعاصرة... لكن ماذا عن لبنان؟

يسود تصور لدى جزء يسير من اللبنانيين أن لبنان في موقع متقدم مقارنة بالدول العربية، وما هذه التطورات التي حصلت في تلك الدول إلاانجاز يجعلها تلحق بالركب اللبناني في المجال الديمقراطي. غير أن الواقع هو عكس ذلك تمامًا، فلبنان أمسى في موقع متخلف عن تونس وعن مصر. قد يقول البعض بأن لبنان بلد ديمقراطي أساسًا بدليل فصل السلطات وكيفية عملها، والانتخابات التنافسية وحرية التعبير، وفترة حكم رئيس الجمهورية، وإلى آخره... غير أن التعمق في الوضع اللبناني يفضح مدى هشاشة ووهمية هذا التصور. فكل هذه الإيجابيات إنما هي مستقاة من الحالة الطائفية التي ترسخ حالة من دكتاتورية الطوائف عوضًا عن الدكتاتورية المباشرة. إذن، التقدم الوحيد الذي كان لدى لبنان إزاء غيره من الدول العربية هو في ذكاء دكتاتوريته.

ولأن الدكتاتورية الطائفية دكتاتورية ذكية، فإنها تخلق صراعات غير جذرية وبعيدة عن المصالح الحقيقية للشعب اللبناني لتؤبد طغيانها ولتعيد انتاج نفسها كل فترة. ولأن الشعب اللبناني أمسى شعبًا متخلفًا عن ركب الحضارة، يسارع إلى تصديق هذه الصراعات ويصدرها أولوياته.
ومن خلال الخدمات، تعيد هذه الحالة الطائفية جزءً مما سرقته من الشعب بكفّارات خدمات مزيفة، وقتية، أو مباشرة عبر شراء الضمائر.

باختصار، ليست المحكمة الدولية أهم من لقمة العيش، ولا نهج المقاومة أهم من الغلاء المعيشي. ,وليست المعارضة والموالاة على تناقض جذري، فكلاهما جزء من حالة واحدة نقيضها الشعب الذي يجب أن يتحرر...

"هيدا لبنان"...
وصف شائع للطابع الطائفي للبنان، وغالبًا ما يتبعه قائله بمقولة: "... ولن يتغير." ذلك الوصف المتذاكي، والذي إن شاء قائله شيئًا فهو الهروب من تحدي التغيير، نحو وضع يجعله يبدو ذكيًا فاهمًا لواقع الحال مدركًا أبعاد الأمور وخلفياتها. إن هذه المقولة لا تصنع تغييرًا ولا تعدل في الواقع شيئًا. نعم، هذا لبنان ونعم، يجب أن يتغير...

ماهر أبو شقرا

Followers