Friday, 30 December 2011

الربيع العربي... خطوة إلى الأمام، نحو العصور الوسطى - ماهر أبو شقرا

            كان تسارع النبض الثوري في الشارع العربي مفاجئاً لا ريب، وكذلك السرعة التي انتقلت بها شرارة الثورة من بلد عربي لآخر. وإذ بالأنظمة التي كانت حتى وقت قريب تنعم بالاستقرار جاثمةً فوق صدور الشعب العربي، باتت تبحث عن طريق الخلاص سواء عبر التسابق مع حركة التاريخ من خلال الحديث عن إصلاحات منشودة، أو عبر القمع الوحشي للحركات الثورية كما في ليبيا واليمن وسوريا والبحرين والسعودية...
وإذا كان نجاح التجربة التونسية قد أعطى دفعاً قوياً للحراك الثوري العربي، فإن سقوط نظام القذافي في ليبيا قد أنعش أملاً كان قد بدأ بالخفوت خصوصاً في سوريا واليمن، قابله مزيد من التصلب والوحشية من قبل السلطة بعدما بات المصير الذي آل إليه معمر القذافي ماثلاً في أذهان القادة العرب، حاضراً أبدا...

***
وفي خضم الأحداث المتسارعة تبرز نقاط تشكّل حقائق يصعب الجدال حولها...
أولاً: استحالة إصلاح الأنظمة العربية، وبالتالي، فإن الخيار الثوري يبقى الطريق الوحيد من أجل التغيير. فالأنظمة العربية شأنها شأن جميع الأنظمة، إنما تعبّر عن تركيبة اقتصادية سياسية مبنية على مصالح متشابكة داخلياً وخارجياً. وإذا كان النظام لا يسقط إلا بسقوط رأس النظام، فإن سقوط رأس النظام وحده لا يكفي دون سقوط كامل الهيكل. والمثال المصري حاضر أمامنا... لقد أمسى جلياً أن الجيش المصري تدخل حتى يحمي النظام لا حتى يحمي الثورة. وإن سقط مبارك، فإن النظام المصري لا زال حاضراً من خلال حكم العسكر والمتنفذين المتحالفين معهم... في مصر، الآن بدأت الثورة...
ثانياً: وحدة الحراك الشعبي العربي ضدّ الأنظمة العربية مجتمعةً، مهما حاولت الأخيرة أن توحي بعكس ذلك. لقد فضحت الثورة الشعبية ضد النظام الرسمي العربي جميع الأنظمة القمعية وعرّتها، فتوضّحت حقيقة الصراع الذي هو أساساً بين الشعوب والأنظمة. وما خصام الأنظمة وانقسامها إلا جزء من الآلة القمعية للأنظمة ذاتها. فالظالم دائم الحاجة إلى قضية ليتسلط باسمها، ويقمع باسمها، ويتحكّم باسمها ويسيطر. لقد استخدم هتلر القضية القومية والعنصرية، واستخدم ستالين الشيوعية، ثم العداء للنازية، ثم العداء للامبريالية، وتستخدم الأنظمة العربية شتى القضايا المصيرية من الممانعة وصولاً إلى التخويف بالبديل الإسلامي، مروراً بالسلام والاستقرار الاقتصادي والسياسي، والضحية واحدة دائماً: الشعب...  وحتى ولو وقفت بعض الأنظمة بوجه أخرى، فذلك خوفاً من شعوبها التي بدأت تستشعر وحدة مصيرها وتشعر بقوّتها بوجه أنظمة قد تفعل المستحيل للصمود، أو الإفلات من غضب الشعوب الثائرة.
ثالثاً: الثورات العربية هي انتفاضات شعبية ضد أنظمة القمع. ستحاول الأخيرة أن تحمي نفسها سواء عبر إشعال صراعات طائفية لتخلق انقسامات أفقية على ضفاف الانقسام الحقيقي بين السلطة والشعب، أو عبر نظرية المؤامرة التي قد تجد صدى طيباً لدى العديد من الشعب العربي الذي تربى على الخوف من الآخر، وتشرّب عقلية الاستهداف حتى النخاع... ستحاول الكثير من القوى والدول تثمير الحراك الثوري العربي والركوب عليه، لكنه يبقى حراكاً شعبياً عفوياً من منطلقات اقتصادية اجتماعية طاهرة... وإذا كان الشعب العربي واقعاً بين مطرقة النظام، وسندان الراكبين على ثورته، فإن ذلك لا يعني أن نقف بوجه إرادته مهما كانت...
لقد حكمت الأنظمة بإسم القضية، فقمعت وخوّنت وقتلت، حتى أرهقت القضيّة. إذن، ممارسات العدو، وجميع الأنظمة، والعديد العديد من القوى المعتدلة والممانعة والمناهضة والمهادنة هي عبارة عن عملية تآمر على الشعب بقصد أو بغير قصد...

***
            وإذا كان صعود الحراك الثوري العربي مفاجئاً، فإن الصعود الكاسح للقوى والحركات الإسلامية لم يكن مفاجئاً أبداً بمكان. فالقوى الدينية تنمو على ضعف الناس وشعورهم بالذل، تقتات من مجتمع يعمّه الفقر والقهر والكآبة، فلا عجب من أن الحركات الدينية تقوى كلما اشتد قمع الأنظمة، ولا عجب من أنها تنتعش مع تعاسة الناس. ثم أن التخوف من الخيار الديني لا يعني بأي شكل من الأشكال أن نتمسك بأنظمة عصية على الإصلاح، تذكي بممارستها التطرف الاجتماعي وتقمع الشعب باسم القضية.
إن وصول القوى الدينية إلى الحكم في الدول التي انتهت الثورات فيها مسألة حتمية لا مفرّ منها، وهذا جزء من المسار الثوري، من حركة التاريخ... هي العصور الظلامية التي سيتعمّد بها الشرق، القرون الوسطى خاصتنا، وهي مرحلة من مسيرة التطور التاريخي لمجتمعاتنا، ومن يقف بوجه حركة التاريخ يفنى مقهوراً...

***
لطالما ركبت القوى الدينية قضايا الناس ولطالما كانت ’حليفة’ الفقراء والمقهورين، غير أنها في النهاية قوى توّاقة للسلطة، هدفها الوصول إلى الحكم. وهو المكان الوحيد الذي سيفصلها عن الشعب، وسيجعلها بموقع النقيض الطبيعي للناس بواقع وجودها في السلطة. وبالتالي، فإنها الفرصة الوحيدة التي سيسقط جراءها الخيار الديني إلى الأبد.
قبل وخلال وبعد سقوط الأنظمة، فلتسقط ذهنية "التفكير" عن الشعوب و"الاختيار" عنها. تلك الذهنية النخبوية التي لا تخجل من أن تعطي لنفسها الحق باختيار ما يلائم الناس وما لا يلائمهم، فتقف بوجه إرادة الشعب بحجة أن البديل أسوأ من الموجود... فلتتحمل الشعوب العربية المسؤولية عن خياراتها. فلتذق مرارة الحكم الديني، ولتعش تعاسته، حتى تبتعد عنه للأبد بواقع كونه خياراً نقيضاً للحياة والإبداع والفنون والفرح...

***
إن نظام الحكم المستند إلى حكم الدين والشريعة سيصطدم بحتمية الفشل مهما طال الزمن. فالقوى الدينية التي تعتاش من ضعف الناس وفقرهم ستجد نفسها أمام معضلة حكم عاجلاً أم آجلاً...
فإن لجأت إلى تحقيق الرفاهية الاقتصادية، فإن الناس سيتجهون إلى البحث عن مكاسب اجتماعية كالحرية والديمقراطية والتحرّر، مبتعدين عن الخيار الديني فيصطدمون بالنظام القائم وينتفضون عليه.
أما إذا استمرّ التردّي الاقتصادي، فإن الشعوب ستنتفض مجدّداً ضد نظام لم يلتزم قضاياها وهمومها. نعم، عندها سوف تلجأ القوى الدينية الحاكمة إلى شدّ عصب شعوبها بقضايا ومعارك ترتكز إلى الاستهداف الثقافي للحضارة العربية. ربما تستخدم القضية الفلسطينية أيضاً، من يعلم... ستستخدم قوى الحكم الديني شتى الوسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والذكورية، لكنها في النهاية ستسقط، ولن يستغرق ذلك وقتاً طويلاً مع سرعة التبادل الثقافي ونقل المعلومة. وما من مثال على ذلك أفضل من النظام الإيراني الذي سيسقط عاجلاً أم آجلاً أمام إرادة الشعب، أمام المعركة الأساسية التي لا صوت يعلو فوق صوتها... معركة الحرية والتحرّر والديمقراطية...
هو التحالف غير المباشر بين "العدو" والأنظمة ضد "القضية" سوف يضرب مرّة أخرى... بين من يستهدف الشعب، ومن يستخدم القضية ليستغل الشعب ويحكمه. ستكون فترة حالكة وصعبة، وستكون المرأة العربية رائدة الحركة الثورية القادمة، وستتحقّق إرادة الشعب والشعب دوماً ينتصر...
******
ماهر أبو شقرا

No comments:

Post a Comment

Followers